ابن كثير
239
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ويقول : هما علجان من أهل بابل ، ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق لا بمعنى الإيحاء كما في قوله تعالى وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ كما قال تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [ الزمر : 6 ] وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 25 ] ، وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [ غافر : 13 ] وفي الحديث « ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له دواء » وكما يقال « أنزل اللّه الخير والشر » . وحكى القرطبي « 1 » عن ابن عباس وابن أبزى والحسن البصري أنهم قرءوا وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام ، قال ابن أبزى : وهما داود وسليمان ، قال القرطبي : فعلى هذا تكون ما نافية أيضا . وذهب آخرون إلى الوقف على قوله يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وما نافية . قال ابن جرير « 2 » : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسأله رجل عن قول اللّه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ فقال : الرجلان يعلمان الناس ما أنزل عليهما ويعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ، فقال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت . ثم روى عن يونس عن أنس بن عياض عن بعض أصحابه أن القاسم قال في هذه القصة : لا أبالي أي ذلك كان « 3 » ، إني آمنت به . وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء ، وأنهما أنزلا إلى الأرض ، فكان من أمرهما ما كان ، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده رحمه اللّه كما سنورده إن شاء اللّه ، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم اللّه لهما هذا ، فيكون تخصيصا لهما فلا تعارض حينئذ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق ، وفي قوله إنه كان من الملائكة لقوله تعالى وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى * [ البقرة : 34 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه اللّه تعالى . وقد حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي . ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه قال الإمام أحمد بن حنبل « 4 » رحمه اللّه تعالى في مسنده : أخبرنا يحيى بن بكير ، حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، أنه سمع نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن آدم عليه السلام لما أهبطه اللّه إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب
--> ( 1 ) تفسير القرطبي 2 / 52 . ( 2 ) الطبري 1 / 499 . ( 3 ) بعد ما سألوه : أأنزل أم لم ينزل ، كما ورد في الطبري . ( 4 ) مسند أحمد ( ج 2 ص 134 )